السيد كمال الحيدري
174
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
وعثمان وعلي ، وشهد للعشرة بالجنّة ، وترحَّم على معاوية ، كان حقيقاً على الله أن لا يناقشه الحساب ) « 1 » . بل وجاوز عبد الله بن مبارك ذلك فقال : ) معاوية عندنا محنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتّهمناه على القوم ) « 2 » . وهذه في الواقع إحدى أضاليل معاوية حين نصب نفسه مدافعاً عن الصحابة ، مستغلًا بذلك تعاطف المجتمع المسلم معهم واحترامه لدورهم في النهوض بالإسلام والتضحية في سبيله وتقديره لجهودهم في نشر دعوته في البلدان ، فأقنع البعض وخدعه بكون النيل منه ما هو في الواقع إلا نيل من الصحابة ، ثم ضمَّ نفسه إليهم وتحصّن بالأحاديث المادحة لهم والناهية عن القدح فيمن لم ينحرف منهم ، ولا سيما حديث « لا تسبُّوا أصحابي ، فإنَّ أحدكم لو أنفق مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه » . وهذا الحديث حتى لو سلّمنا بصحّته فإنّه لا يشمل معاوية ولا أمثاله ؛ لأنه ورد في شأن مشادّة واختلاف بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف وقد سبّ خالدٌ عبد الرحمن فمنعه النبي ( ص ) ونهاه وقال هذه الكلمة ، وهي بعمومها لا تتناول مستقبل الصحابة ومدى التزامهم بالإسلام أو انحرافهم عن بعض تعاليمه ، وإنّما تتحدّث عن حالهم في صدر الإسلام وبداية دعوته ، هذا أولًا . وثانياً : حتى لو فرضنا أنّ دلالة الحديث مطلقة لجميع الأزمان ، فإنّ من المؤكّد أنها لا تشمل معاوية أيضاً ، وذلك لأن المقصود بالأصحاب هنا أولئك
--> ( 1 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، مصدر سابق : ج 11 ، ص 449 . ( 2 ) المصدر السابق ، نفس المعطيات ، والمقصود ب - « القوم » بحسب ابن كثير هم : الصحابة .